هل تدخل الروبوتات في حياتنا اليومية أسرع مما نتخيل؟

هل تدخل الروبوتات في حياتنا اليومية أسرع مما نتخيل؟

بينما كنا نعتقد أن الروبوتات ستظل لعقود حكراً على المصانع وأفلام الخيال العلمي، يبدو أن الواقع يسبق التوقعات. من المستشفيات التي تعتمد على الجراحة الآلية، إلى الفنادق التي تُديرها الروبوتات، إلى الروبوتات التي تحرس متاحفنا كما تفعل «سبوت» في بومباي، إلى الأذرع الآلية التي تجري عمليات القلب عن بُعد في مستشفيات الرياض، وصولاً إلى خطوط إنتاج السيارات التي تعمل بلا تدخل بشري تقريباً، تكشف الأرقام أننا على أعتاب ثورة قد تغيّر شكل حياتنا واقتصاداتنا في سنوات قليلة، لا عقود.
بلغ حجم سوق الذكاء الاصطناعي الروبوتي العالمي، الذي يشير إلى السوق الخاص بالروبوتات التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، 6.9 مليار دولار في 2021، و9.4 مليار دولار في 2022، ويتوقع أن يصل إلى 77.7 مليار دولار في 2030 بمعدل نمو 29.4%.ووصل حجم سوق الروبوتات التعاونية العالمية، الذي يختص بفئة معينة من الروبوتات التي تعمل جنباً إلى جنب مع البشر في بيئات العمل نفسها، إلى 0.9 مليار دولار في 2021، و0.8 مليار دولار في 2022، ومن المتوقع أن يصل حجم السوق إلى 8 مليارات دولار، بناءً على شركة الاستشارات الاستراتيجية الخطوة التالية Next Move Strategy Consulting، وفورتشن بيزنس إنسايت Fortune Business Insights.

تفيد تقديرات أخرى لشركة الاستشارات العالمية «بين وشركاه» Bain & Company بأن تكاليف تصنيع روبوتات أشباه الإنسان (humanoids) انخفضت 40% بين 2022 و2024، ما يقرّبها من التكافؤ مع أجور البشر. بهذه المعطيات، يقول خبراء الاقتصاد إن الروبوتات قد تصبح جزءاً من حياتنا اليومية خلال السنوات الخمس المقبلة، بل ربما أسرع مما نتصور.تكشف بيانات ماكينزي أن أتمتة العمليات الروبوتية (RPA) جاءت في صدارة تقنيات الذكاء الاصطناعي الأكثر اعتماداً في الأعمال عام 2022 بنسبة 39%، تليها تقنيات الرؤية الحاسوبية (34%) وفهم النصوص باللغة الطبيعية (33%).هذا الترتيب ليس مفاجئاً؛ فالشركات تبحث عن حلول سريعة لخفض التكاليف وزيادة الكفاءة، وهو ما توفره أتمتة المهام الروتينية دون الحاجة لاستثمارات ضخمة أو بنية تحتية معقدة.اللافت أن الروبوتات المادية جاءت في مرتبة متأخرة نسبياً بنسبة 20%، ما يعكس أن تبني الأتمتة الميكانيكية لا يزال أبطأ من اعتماد البرمجيات الذكية، وذلك بسبب ارتفاع التكاليف وصعوبة التنفيذ مقارنة بحلول الذكاء الاصطناعي القائمة على البرمجيات في 2022.

تسارع الروبوتات الصناعية

يعتبر قطاع الصناعة هو أكبر مشترٍ للروبوتات، في عام 2024 وحده ركّزت شركات السيارات جهودها على الأتمتة، ففي اليابان تم تركيب نحو 13 ألف روبوت صناعي جديد بزيادة 11% على العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2020.وبالمثل، شهدت أوروبا 23 ألف تركيب روبوت في مصانع السيارات في 2024، وهو ثاني أفضل معدل في خمس سنوات.وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، استثمرت شركات السيارات الأميركية في الروبوتات، إذ سجلت 13.7 ألف روبوت بنمو 10.7%.ومع ذلك يظل التوزيع عالمياً غير متوازن، إذ تتصدر الصين الروبوتات بفضل استراتيجيتها الوطنية، فقد ارتفع نصيبها من تركيبات الروبوتات الصناعية من نحو 20% قبل عقد إلى أكثر من 50% من الإجمالي العالمي اليوم.والحقيقة أن قطاع السيارات مثَّل 40% من جميع تركيبات الروبوتات الصناعية في الولايات المتحدة عام 2024.فيما تنتشر الأتمتة بتدرج في صناعات أخرى مثل الإلكترونيات والمعادن، هذه البيانات تعكس مدى تسارع أتمتة خطوط الإنتاج وارتفاع كثافة الروبوتات.فعلى سبيل المثال بلغت كثافة الروبوتات في مصانع الصين 470 روبوتاً لكل 10 آلاف عامل صناعي مقابل 295 في الولايات المتحدة.ويُتوقع أن تستمر هذه الوتيرة التصاعدية مع بقاء قضايا نقص العمالة وارتفاع الأجور دافعاً رئيسياً لاستبدال بعض المهام البشرية بالآلات.وبحسب القطاعات الصناعية، تكشف الأرقام أن قطاع السيارات، الذي كان تاريخياً المحرك الأكبر للأتمتة، يشهد تراجعاً ملحوظاً في تركيب الروبوتات الجديدة من 157 ألف وحدة في 2021 إلى 117 ألف وحدة في 2023، أي انخفاض بنحو 25% خلال عامين.في المقابل، يظهر قطاع الإلكترونيات والكهرباء اتجاهاً تصاعدياً لافتاً، إذ ارتفعت التركيبات من 126 ألف وحدة في 2021 إلى 143 ألف وحدة في 2023، مدفوعاً بزيادة الطلب على أشباه الموصلات والأجهزة الذكية عالمياً.

الروبوتات في الخدمات اللوجستية والرعاية الصحية

لا تقتصر الثورة الروبوتية على المصانع وحدها، بل تمتد سريعاً إلى قطاع الخدمات، يوضح تقرير «العالمية للروبوتات» أن أكثر من نصف الروبوتات الخدمية المهنية المبيعة عام 2023 استخدمت في النقل واللوجستيات نحو 113 ألف وحدة بزيادة 35%.إذ تُعالج الروبوتات أعباء نقل البضائع وتفريغ الحمولة التي يعجز البشر عن مواكبتها في ظل نقص اليد العاملة، وتشمل التطبيقات الناشئة أيضاً الروبوتات الفندقية والمطاعم، نحو 54 ألف وحدة، التي تقدم المعلومات وتقدم الوجبات.تشير بيانات حديثة إلى تسارع ملحوظ في تبني هذه التقنيات، فقد حدد الاتحاد الدولي للروبوتات نموّاً بنسبة 30% في مبيعات الروبوتات الخدمية المحترفة.خلال 2023، إذ وصلت إلى نحو 205 آلاف وحدة عالمياً، إلى جانب روبوتات الزراعة، 20 ألف وحدة، لتلبية احتياجات الغذاء والدقة في الحراثة والجني، أما الرعاية الصحية فقد شهدت طفرة بزيادة 36% في الروبوتات الطبية إلى 6100 وحدة في 2023.وفي هذا السياق، تتوقع مؤسسة المنتدى الاقتصادي العالمي أن يصل حجم سوق الجراحة الروبوتية إلى أكثر من 14 مليار دولار بحلول 2026، ومن الأمثلة البارزة أن السعودية نفذت أول عملية قلب بتقنية روبوتية بالكامل في 2024، ما يبرهن دخول الروبوتات إلى غرف العمليات ومرافق الرعاية الصحية.تُظهر البيانات العالمية أن أهم خمسة مجالات لتطبيق الروبوتات المهنية والطبية كانت، من الأكثر إلى الأقل، هي النقل واللوجستيات، الضيافة (الفندقية والمطاعم)، الزراعة، التعقيم/التنظيف، ثم المجال الطبي.وتشير هذه الأرقام إلى تزايد وجود الروبوتات في أنشطة حياتية مترابطة يومياً بشكل أساسي، فهي تنقل البضائع، وتهيئ الطعام، وتحرس المستودعات، وتسهم في الإجراءات الطبية المعقدة.

فرص ومخاطر على سوق العمل

يترتب على هذا التحوّل في التكنولوجيا آثار اقتصادية واسعة، إذ تؤدي الروبوتات إلى ارتفاع الإنتاجية وجودة الخدمة؛ ومنطقياً سيسهم توسع استخدامها في دعم النمو الاقتصادي، خصوصاً في ظل النقص المتوقع في العمالة.فقد أشارت دراسة Bain & Company إلى أن تراجع أعداد العاملين المتوقع، 8 ملايين عامل صناعي بحلول 2030، يجعل الروبوتات ضرورية للحفاظ على النمو.ومع ذلك، يثير الخبراء قلقاً من خسارة الوظائف، وقد وجدت أبحاث نشرها معهد سلون لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT Sloan» أن كل روبوت صناعي إضافي لكل 1000 عامل في الولايات المتحدة يؤدي إلى خفض الأجور بنسبة 0.42% وهبوط معدل التوظيف بالنسبة للكثافة السكانية بنحو 0.2 نقطة.بالمقابل، لا تخلو التوقعات العالمية من تفاؤل نسبي، في تقرير «مستقبل الوظائف 2025» للمنتدى الاقتصادي العالمي، يُتوقع أن يخلق التحوّل التقني فرصاً جديدة تكفي لتعويض الخسائر، إذ ينتظر أن يتم ابتكار نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030، في مقابل اختفاء 92 مليون وظيفة حالية، بفائض صافي 78 مليون وظيفة زيادة 7%.هذا يعني أن الاقتصادات قد تواجه ضغوطاً مزدوجة: أزمة المهارات الجديدة المطلوبة وفراغات في اليد العاملة التقليدية، ولذلك يشدد خبراء الاقتصاد على ضرورة برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني، وكمثال توجيهي حثَّ تقرير بين وشركاه الشركات على البدء حالاً في استكشاف تطبيقات الروبوتات الجديدة «للبقاء في الصدارة» مع تصاعد هذه التقنية، لأن الأيام القادمة ستشهد تحولاً كبيراً في طرق العمل.

نحو غدٍ آلي

يبقى السؤال، هل سيصبح الروبوت جزءاً من يومياتنا أسرع مما نتوقع؟ تعكس المؤشرات العلمية والإحصائية أن السيناريو ليس مستحيلاً، فالتسارع الحاصل في خفض التكلفة وارتفاع القدرات يحوِّلان الخيال إلى واقع قبل المدة المأمولة.فقد تضافرت عوامل عدة لندخل هذا العصر سريعاً: تطور الذكاء الاصطناعي الذي يمكّن الروبوتات من تحليل بيئاتها الذاتية والتعلم، ورغبة الدول والشركات في ترشيد الإنتاج وتقليل الاعتماد على القوى البشرية المحدودة.وأجمع خبراء التخطيط والتكنولوجيا على أن الفترة القادمة ستشهد تطبيقات جديدة في المنازل والمكاتب والمدارس، إلى جانب ما ذكرنا من الصناعة والخدمات.خلاصة القول: إن الروبوتات تتقدم بخطى أسرع مما كنا نظن، وهذا يستدعي من صناع السياسات والقادة الاقتصاديين التخطيط الحكيم، فالأتمتة المزدهرة تَعِد بفوائد اقتصادية كبيرة، من نمو وحلول للشيخوخة والتخصص، لكنها تتطلب سياسات عادلة للحماية وتطوير الإنسان.وبينما يُحذر البعض من فقدان الوظائف، يحث آخرون على انتهاز الفرص الجديدة، كما يقول تقرير بين وشركاه، «ليس الوقت للتحفظ، بل للبدء في التجربة»، إن الدورة الجديدة من الثورة الصناعية، كما يصفها البعض، آتية لا ريب، وربما أسرع مما نتوقع.