لبنان والأردن: مواجهة خطة إيرانية تعود بالنفع على إسرائيل أكثر مما تضرها

موسي المعاني *
لم تعُد المنطقة بحاجة إلى المزيد من الجدل حول النوايا. فالمسألة لم تعُد مرتبطة بما يُقال، بل بما فُعل ويُفعل، وما أُنتج من خراب وشرذمة ودماء تحت شعارات ما عادت تخدع حتى أبسط المتابعين. وإذا كان من واجبٍ على النخبة السياسية والفكرية العربية في هذا الزمن المتقلّب، فهو أن تقول الأمور بأسمائها، وتسمّي الفاعلين الحقيقيين، لا أن تكتفي بدور المراقب المتردّد. ولعلّ المثال الأوضح على ذلك، هو ما شهده العالم العربي، وتحديداً في لبنان والأردن، من آثار مشروع إقليمي انطلق من طهران منذ أكثر من أربعة عقود، واستطاع في مسيرته أن يُعيد تشكيل المنطقة، لا في اتجاه تحرير فلسطين، بل في اتجاه تمزيق الصف العربي، وتعطيل الإجماع، وتكريس الانقسامات، وفتح أبواب الفوضى على مصراعيها.
النظام الإيراني الذي برز بعد عام 1979 بشعارات “دعم القدس” و”مؤازرة المقاومة”، لم يقم فقط بعدم تحقيق أي مصلحة للشعب الفلسطيني، بل قام بعمل أكثر خطورة: عمِل على زراعة الفتن، وتمويل جماعات تعمل خارج مؤسسات الدولة في أكثر من بلد عربي، واحتضان إعلام تحريضي، وبناء بنى أمنية رديفة، وإعادة ترسيم الخريطة السياسية للمنطقة لتدور حول محور واحد هو مصلحة النظام الإيراني لا غير. إنها الحقيقة التي لم يعُد ممكنًا تجاهلها، ولا يمكن تبريرها تحت أي غطاء عقائدي أو دعائي.
ما فعلته إيران في العالم العربي، وخصوصًا في لبنان، لا يصبّ سوى في مصلحة واحدة، وهي إسرائيل. لقد قال الكاتب العراقي المعروف فاروق يوسف في صحيفة العرب في 17 حزيران/يونيو 2025، كلاماً بالغ الدقّة: “ما فعلته إيران بالقضية الفلسطينية خلال أربعين عاماً، لم تستطع إسرائيل أن تفعله خلال سبعين عاماً”. هذه الجملة، التي قد تبدو قاسية لأول وهلة، تعبّر عن حجم الحقيقة المخفية وراء ستار “الممانعة”. فكيف يمكن لنظام يزعم الدفاع عن فلسطين أن يكون أكبر مساهم في تقسيم العرب إلى محاور، وتحويل القضية الفلسطينية من قضية جامعة إلى مادة ابتزاز في السوق السياسية الإقليمية؟ لقد زرعت إيران من خلال ميليشياتها وأذرعها الطائفية انقسامات حادّة داخل الجسم العربي، وفتحت جبهات فرعية لم تخدم فلسطين يوماً، بل خدمَت إسرائيل بالدرجة الأولى، لأنها أسهمت في شقّ الصف، وضربت الإجماع، وأضعفت الدولة المركزية في كل من لبنان وسوريا والعراق واليمن، وسعت مؤخراً إلى النفاذ إلى الأردن.
قبل الثورة الإيرانية، لم تكن هناك دولة عربية واحدة تقيم علاقات مع إسرائيل. كان الموقف موحداً، والوجهة واحدة. أما اليوم، وبعد عقود من التدخّل الإيراني في المنطقة، تحوّل العدو إلى شقيق لدى البعض، والمقاوم إلى عميل لدى البعض الآخر. انقلبت المعادلات وتبدّلت البوصلة، وكل ذلك باسم الدفاع عن فلسطين. والحقيقة أن أكبر ما نالته إسرائيل من مكاسب استراتيجية طوال العقود الماضية لم تأتِ من اتفاقيات التطبيع، بل من تفكك الصف العربي الذي عمِل عليه الإيرانيون بصبر طويل وتخطيط دقيق.
في لبنان، قاد هذا المشروع إلى اختطاف القرار السيادي، وتعطيل قيام الدولة، وتغليب منطق السلاح على منطق المؤسسات. وفي الأردن، لم تكن المحاولات بعيدة. من تهريب الكبتاغون إلى شبكات التسلل الأمني، إلى التحريض العلني ضد الدولة، ورفض مبدأ حل الدولتين الذي يشكّل اليوم المرجعية الوحيدة الواقعية لحل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وزير الخارجية الإيراني السابق حسين أمير عبداللهيان، الذي قُتل في حادث المروحية في أيار/ مايو الماضي، قال بوضوح إن إيران لا تقبل بحل الدولتين، مضيفاً: “نحن وإسرائيل فقط نرفض هذا الحل”، وهي جملة موثقة نقلتها عدة وكالات إيرانية رسمية، ومثّلت شهادة دامغة على تطابقٍ كامل في النتيجة وإن اختلفت المبررات. فأيّ دعم لفلسطين هذا، حين يتقاطع مع الخط الاستراتيجي الإسرائيلي نفسه؟
الرئيس الراحل ياسر عرفات، قالها بوضوح في العام 2007، في حديث خاص نقلته مصادر فلسطينية موثوقة، حين أكد أن “الضرر الأكبر الذي لحق بالتوازن الفلسطيني الداخلي جاء من التدخل الإيراني”، معتبراً أن إيران استخدمت فصائل فلسطينية لتقويض وحدة القرار لا لدعمه. ولا غرابة في ذلك، فمن يستخدم فلسطين كذريعة لمصالحه لا يمكن أن يكون حليفاً حقيقياً للقضية، بل خطراً مموّهاً يتقدّم تحت راية الصداقة بينما هو يقوّض الإمكانات من الداخل.
إن لبنان والأردن، بكل ما يعانيانه من أزمات، وبكل ما يواجهانه من ضغوط، لم يرضخا لهذا المسار. لبنان، رغم الانقسام الداخلي، ما زال فيه صوت وطني يدعو إلى الدولة والقرار المستقل. والأردن، رغم كل التحديات، أثبت أنه ليس ساحة مستباحة لأي محور، ولا ممراً لمشاريع لا تتوافق مع خياراته. والموقف الحازم الذي عبّر عنه جلالة الملك عبد الله الثاني، والبيانات الواضحة من وزير الخارجية أيمن الصفدي، برفض استخدام الأراضي الأردنية لتصفية أي حسابات إقليمية، تمثل نموذجاً في السيادة الراسخة والقرار الوطني الصلب.
لقد آن الأوان لأن يُقال الأمر بصراحته: ليس كل من يرفع شعار فلسطين حليفاً لها، وليس كل من يهاجم إسرائيل خصماً لها. فهناك من خدم إسرائيل، من حيث لا يدّعي، أكثر مما فعلت هي لنفسها. والمطلوب اليوم ليس فقط كشف هذا التناقض، بل بناء رؤية عربية جديدة تستعيد المبادرة، وتُرجع البوصلة إلى وجهتها الحقيقية، وتمنع استمرار استخدام فلسطين كممر لمشاريع لا علاقة لها سوى بتثبيت نفوذ أنظمة عابرة للحدود.
لبنان والأردن، بهذا الفهم، ليسا ضحيتين بل شريكين في مواجهة مشروع دخيل، لا يهدد فقط استقرارهما، بل يشكّل خطراً وجودياً على طبيعة الدولة العربية نفسها. المعركة اليوم ليست بين شرق وغرب، ولا بين قوى مقاومة وقوى استسلام، بل بين من يؤمن بالدولة ومؤسساتها، ومن يؤمن بالفوضى وسيلةً للحكم. وفي هذه المعركة، خيارنا محسوم: السيادة أولاً، الدولة أولاً، وفلسطين التي نعرفها ونعمل من أجلها، لا التي يُراد استخدامها، ستبقى قضيتنا، لأنها قضية حق، لا وسيلة استثمار.
*وزير الدولة الأسبق لشؤون رئاسة الوزراء في الحكومة الأردنية