زيادة إنتاج النفط وفقًا لمعادلة أوبك+ تعود بفائدة عظيمة على الاقتصاد العالمي

الدكتور فيصل الشمري- كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الأمريكي
في السابع من شهر سبتمبر المقبل سوف يكون هناك اجتماع هام لمنظمة الدول المصدرة للبترول والمعروفة باسم أوبك. تستمد أهمية هذا الأجتماع من أن هناك اتفاق ما بين هذه المنظمة وعدد من الدول لزيادة حجم إنتاج وتصدير النفط. سوف يكون هناك مدلولات استراتيجية واقتصادية هامة لهذا القرار.
هو في المقام الأول اتفاق ما بين الدول الأعضاء في منظمة أوبك وما يعرف بعلامة “+”. ويشير هذا إلى عدة دول أخرى مصدرة للنفط لكن هى ليست عضوة في منظمة أوبك.
رد الفعل الأولي لهذا القرار هو أنه قد يخفض أسعار النفط والبنزين. وقد يكون الحافز لهذا نظرة تفاؤلية تنبئ بأوضاع اقتصادية عالمية مستقرة، مع وجود احتياط نفط مطمئنة.
القرار جاء بناء على اجتماع عقد أخيرا حيث أعلنت ثمانية دول أعضاء في منظمة أوبك وغير أعضاء في تلك المنظمة أنها سوف تزيد قريبا إنتاج النفط بمقدار ٥٤٦ ألف برميل يوميا. ويتوقع أن يبدأ هذا في شهر سبتمبر.
والدول التي سوف تزيد الإنتاج هى: المملكة العربية السعودية وروسيا والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت وكازاخستان والجزائر وسلطنة عمان. ويعتبر هذا سياسة مخالفة لما اتفقت عليه هذه الدول من قبل، حيث أنها قامت في نوفمبر من عام ٢٠٢٣ باتخاذ إجراءات تخفيضات طوعية للإنتاج، والتي تم إجراؤها مبدئيًا في السنتين الأخيرتين. وكان من المفترض أن تستمر تلك التخفيضات حتى شهر سبتمبر من عام ٢٠٢٦. لكن من الواضح أن هذه السياسة سوف ينتهي العمل بها قبل الموعد المحدد لها بسنة تقريبا.
هناك منطق هام لكيفية تحديد منظمة أوبك لأسعار البترول. يستمد هذا المنطلق من وجود أساسيات اقتصادية مستقرة للاقتصاد الدولي بصورة عامة. الأمر الثاني هو وجود رؤية واضحة إيجابية بأن الأداء الحالي الاقتصادي هو نتيجة عوامل إيجابية. لذلك فقرار زيادة إنتاج البترول يوميا بما يزيد تقريبا عن نصف مليون برميل بترول هو قرار سليم. لكن هناك عوامل أخرى يمكن ذكرها.
أولا أن هناك زيادة على الطلب. معنى هذا أن الاقتصاد الروسي ينمو ولم يتأثر بالعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه. وهذا يوضح أيضا استمرار النمو الاقتصادي بمعدلات مرتفعة في كلا من الهند والصين وقارة آسيا بصورة عامة. وتشير توقعات كلا من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي للعديد من دول العالم سوف يزيد بنسبة تتراوح ما بين ٣ إلى ٤ بالمائة في عامين ٢٠٢٥-٢٠٢٦. وهذا يعنى ان قرار اوبيك بزيادة الانتاج قرار صائب لانه سوف يقابل احتياجات متزايدة من الطاقة نتيجة النمو الاقتصادي والسكاني في معظم دول العالم.
ثانيا، تريد الأوبك ألا تخسر أسواقا بسبب تخفيف الإنتاج.
وهذا أيضا أمر منطقي. هناك منافسة من قبل العديد من الحكومات والشركات على تصدير نفطها للخارج للحصول على أرباح. وكمثال لهذا أصبحت البرازيل دولة مصدرة للنفط بنسبة كبيرة. ويضاف إلى هذا دخول بلد صغير في أمريكا الجنوبية مثل غويانا كمصدر للطاقة.
كما يجب الإشارة إلى احتمال تصدير ليبيا لكميات كبيرة من النفط نتيجة لمحاولات اعادة الاستقرار في ذاك البلد. ثالثا، هناك استثمارات كبيرة في مجالات البترول والنفط والغاز والتي من المتوقع زيادتها. شركة أكسون مثلا تقوم باستثمارات ضخمة في العديد من الدول النامية مثل ترينداد وتوباجو وبابوا نيو غنيا وموزمبيق وغيرها من الدول. رابعا نجحت أوبك في تحمل خسائر كبيرة في الماضي بسبب انخفاض الأسعار. ويدل هذا على أهميتها وفاعليتها في الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية للبترول بشكل عام وفي نفس الوقت قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية المتعلقة بإنتاج النفط، ويؤكد هذا على حقها أيضا في استعادة قدرتها التنافسية التسويقية وإنتاج المزيد من البترول.
هناك الفلسفة الاقتصادية التي تقوم على فكرة أنه إذا كان هناك احتياج ما في السوق، فإن هناك أيضا كيانات اقتصادية هامة تستطيع أن تلبي تلك الاحتياجات الاقتصادية. ترى أوبك في قرارها بزيادة الإنتاج أسلوب يحقق التوازن في الأسواق العالمية للطاقة بصورة عامة مع استخدام آليات جديدة في تثبيت أسعار النفط. وهناك دافع كبير وواضح يتمثل في محاولة التخلص من المشاكل الاقتصادية التي سببتها جانحة كورونا، والتي سببت انخفاض كبير في إنتاج وأسعار منتجات الطاقة بما فيها النفط. وقرارات أوبك هذه بزيادة الإنتاج لا تتوقف فقط على زيادة الطلب بل تنفي عن هذه المنظمة الاقتصادية العالمية والهامة صفة الاحتكار، لأن سياستها هذه ترسخ فكرة وجود حصص وتقسيمات للإنتاج والتسويق والتصدير والاستيراد بدون إلحاق الضرر بأي طرف في عملية إنتاج البترول.
يجب الآخذ في الاعتبار سياسات الرئيس ترمب فيما يتعلق بقرارات منظمة الأوبك هذه. الرئيس ترمب يريد تقليل اعتماد أمريكا على استيراد النفط من الخارج. وهو يريد زيادة الإنتاج المحلي في أمريكا من البترول. وهذا يمثل انقلاب على سياسات بايدن وأوباما الراميتان للحفاظ على البيئة على حساب إنتاج أمريكا من الطاقة. وتركز إدارة ترمب على إنتاج الطاقة من المصادر التى تعرف باسم الصخر الحراري، وهى من الناحية العملية والتقنية قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الطاقة. لكن هناك معوقات تؤثر على سياسات إدارة ترمب التي تبغى تحقيق استقلالية اقتصادية للولايات المتحدة في مجال الطاقة. العامل الأول هو ارتفاع أسعار التكلفة في استخدام التكنولوجيا للحصول على هذه الطاقة. ثانيا، احتمال حدوث كساد اقتصادي في أمريكا بسبب فرض إدارة ترمب رسوم جمركية مرتفعة على العديد من السلع المستوردة من الأسواق التابعة لدول أجنبية، وأيضا عدم قدرة المنتجات الأمريكية على الوصول لأسواق أجنبية لقيام تلك الدول باجراءات إنتقامية ضد السياسات التجارية لحكومة الولايات المتحدة الموجه ضدهم. معنى هذا أن إنتاج النفط محليا في أمريكا قد يكون بصورة أكبر عن ما يحتاجه الاقتصاد والسوق الأمريكي المحلي. ومعنى هذا أيضا أن الأسواق الخارجية التي كسبتها أمريكا جراء سياستها الخاصة بإنتاج النفط والغاز محليا قد ضاعت عليها. وهناك عامل آخر إلا وهو الاختلافات ما بين إدارة ترمب وشركات الطاقة الأمريكية التي تستثمر في إنتاج الطاقة من مصادر الصخر الحراري حول قضايا الإنتاج والتوزيع.
خلاصة القول أن منظمة أوبك ومعادلة أوبك + هي استراتيجية مشتركة ناجحة طويلة الآمد سوف تبقى عامل أساسي في الاقتصاد العالمي. أن السبب الرئيسي في نجاح أوبك هو قيادة المملكة العربية السعودية لها والذي يتمثل في الحفاظ على وحدتها. وتسعى المملكة دائماً أن تكون أوبك منظمة تتحمل كل الأعضاء فيها المسؤولية عن سياسات التنمية البترولية داخلها. تتلاقي السياسة الخاصة بزيادة الإنتاج مع أهداف منظمة الامم المتحدة للتنمية المستدامة. لا شك من أن نفوذ منظمة أوبك سوف يزداد مع زيادة حجم إنتاجها. أن السياسات الجديدة هى تقديم لأطروحة اقتصادية جديدة تتلخص في أن زيادة المعروض من سلعة ما لا يؤدي بالضرورة إلى تراجع قيمة سعرها. ومع دخول العالم نحو نظم استخدامات لأساليب جديدة للدفع النقدي، تستطيع أوبك مقابلة أي منظومة متطورة في أسواق الطاقة بكل وسائلها ومعطياتها.