ذكرى الشهيد عبدالمنعم رياض.. وعملية الثأر

ذكرى الشهيد عبدالمنعم رياض.. وعملية الثأر

شبكة تواصل الإخبارية تقدم لكم خبر

السطور التالية، تسرد مقتطفات من بعض منصات التواصل الاجتماعى، عن قصة استشهاد البطل الفريق عبدالمنعم رياض، رئيس أركان حرب الجيش المصرى الأسبق، فى ٩ مارس ١٩٦٩، وكيف تمت عملية الثأر.
الحدث الأول: قاعة الاجتماعات الرئيسية فى القصر الجمهورى بالقبة مساء يوم ٩ مارس عام ١٩٦٩، حيث تنعقد الجلسة الأسبوعبة من اجتماعات مجلس الوزراء برئاسة الرئيس «جمال عبدالناصر».. وبينما كان الرئيس يتحدث عن أوضاع الجبهة الداخلية، دخل أحد موظفى الرئاسة إلى القاعة مُنتظرًا اللحظة التى يتوقف فيها الرئيس عن الحديث، حينها لاحظ «ناصر» حالة القلق التى تنتاب الرجل، فتوقف عن الكلام، ثم قال موجهًا حديثه إلى الموظف الذى يعمل فى سكرتارية المعلومات التى يديرها السيد سامى شرف: يا أستاذ ماذا عندك؟، تقدم الرجل بسرعة وأعطى ورقة صغيرة إلى الرئيس، الذى قرأها على الفور، والحضور من الوزراء يوجهون نظرهم إلى الرئيس، وفجأة حدث ما لم يحدث من «الريس» من قبل، إذ وضع رأسه بين كلتا يديه، واضعًا إياهما على طاولة الاجتماع لا ينطق بحرف. مرت لحظة كأنها الدهر، والجميع فى حالة من الدهشة والخوف والترقب.. ماذا جرى، وما الذى قرأه الرئيس فجعله فى تلك الحالة غير المعتادة؟.. وأخيرًا تحدث الرئيس بكلمة واحدة، وبنبرة كلها حزن وصدمة: الفريق رياض.. اُستشهد قرب الإسماعيلية بين جنوده. ساد القاعة الكبيرة صمت رهيب، وانفجر البعض فى بكاء مسموع، وآخر لا يبدو منه غير دموع تنثال من العيون، وآخرون لم يجدوا ما يفعلونه سوى التّطلُع مذهولين فيمن حولهم، أو إلى سقف القاعة، فقد عجز الجلوس حتى عن تقديم المواساة إلى الرئيس، فالجميع أو أغلب الحضور كان يعرف الفريق «عبدالمنعم رياض» شخصياً. ثم سكت الرئيس وقد بدت على قسمات وجهه ملامح مختلطة من الحزن العميق، والتصميم مع قدر لا بأس منه من مشاعر انسانية مُختلطة بينها الندم، وأخذ يتحدث: «لقد قلت له أمس الأول لا داعى للذهاب إلى الجبهة الآن يا «رياض»، لأن القصف سيكون على أشده، لكنه أصر، وقال لى يا أفندم إن العمليات سوف تبدأ عند ساعات الفجر من صباح الغد، الثامن من مارس، وسوف أترك ٢٤ ساعة فقط من القصف على مواقع العدو لخط التحصينات الرئيسى، وبعدها أذهب إلى الميدان لأطمئن على سير العمليات، ثم إن هناك مهمة أخرى بالغة الأهمية، لقد أرسلت كتيبة استطلاع منذ نحو أسبوعين، وأُريد ان أسمع منهم مباشرة وأطمئن على أفرادها فردًا فردًا، فأنا أعرفهم جميعاً لأنى عايشتهم نحو ثلاثة أشهر فى تدريبات خاصة، وقد أحسست عنده، أى «رياض»، رغبة عارمة من أب يريد أن يطمئن على أولاده.. بعدها أذنت له وكان ما كان، إنه القدر والأعمار بيد الله».
الحدث الثانى: بعد ذلك بيومين، فى مكتب الرئيس «عبدالناصر» وعبر الخط الساخن الذى يربط الرئيس مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة الجنرال الصارم الفريق أول «محمد فوزى» الذى أعاد بناء الجيش العظيم وقتها. جاء صوت الرئيس الذى لم يقل سوى ٦ كلمات لا أكثر: «نتقابل الساعة الواحدة بعد الظهر يا فوزى». وفى اللقاء كان الأمر المباشر هو: «يا فوزى لازم نأخد تار رياض قبل حلول ذكرى الأربعين له»، وكان رد الفريق «فوزى» مختصرًا ومتوقعًا ومعروفًا: تمام يا فندم.
وكانت جنازة الفريق أول «عبدالمنعم رياض» جنازة أسطورية، حتى إن الحشد الجماهيرى أطاح بعيداً بحرس الرئيس «عبدالناصر»، ويسجل فيلم الجنازة كيف ذاب «عبدالناصر» وسط الجماهير، التى اقتربت وحمته بدلاً من الحرس، بينما الهتافات تتعالى تطالب بالثأر.
الحدث الثالث: تم استدعاء البطل الأسطورى «إبراهيم الرفاعى» وتم تكليفه بالعملية هو ومجموعته الشهيرة الآن بـ«المجموعة ٣٩ قتال»، وكانت تسمى وقتها بمجموعة «الأشباح»، نظراً لقيامها بعمليات نوعية خارقة، أذهلت الجميع خلف خطوط العدو الإسرائيلى، أثناء حرب الاستنزاف وتحقيقها لضربات موجعة جداً. كان التخطيط للعملية يقتضى دراسة الموقع الموجود على الضفة الشرقية للقناة، الذى انطلقت منه القذائف التى أصابت الشهيد «عبدالمنعم رياض» وأدت لاستشهاده، بعد الاتفاق على أن الثأر لا يتم إلا بتدمير هذا الموقع بالكامل. كان الفريق «محمد صادق»، متابعاً للاجتماعات وتقرر أن تتولى «المخابرات الحربية»، مهمة الحصول على كل صغيرة وكبيرة عن هذا الموقع، فضلاً عن المعلومات التى جمعها رجال مجموعة «الأشباح» أنفسهم، الذين راقبوا الموقع على مدى الساعة وعرفوا تحصيناته، والتى كان من أقواها مدفع اشتهر لخطورته باسم «أبو جاموس»، وكذلك موعد دخول وخروج الضباط والجنود، وكل شىء له علاقة بالموقع الحصين.
الحدث الرابع: معلومات مفاجئة، تشير إلى قرب وصول ثلاثة من كبار قيادات جيش العدو للموقع المذكور فى غضون أيام قليلة، فتقرر تنفيذ العملية فى وقت الزيارة واغتيال القيادات الثلاثة معاً، ولكن كيف يمكن ذلك؟، هذا يتطلب تحضيراً خاصاً وترتيباً وتدريباً على اقتحام موقع مشابه، ويجب أن يتم ذلك بسرعة فلا وقت أمام المجموعة، خاصة أن القيادة تنتظر تمام نجاح العملية، وعلى أساس هذه المعطيات تقرر موعد العملية وخطة تنفيذها كاملة.
الحدث الخامس: جرت العادة، على أن عمليات الصاعقة تقوم بها مجموعات صغيرة، لا تتعدى فى الغالب ٦ أو ٧ أفراد، إلا أن هذه العملية سجلت أكبر عملية شارك فيها عدد من الضباط والجنود فى التاريخ، حيث بلغ عدد المشاركين فيها ٦٦ عنصراً. كان آخر ضوء فى ليلة ١٩ أبريل عام ١٩٦٩، يقترب ليلعن انتهاء النهار، وهى اللحظة التى قرر فيها البطل الأسطورى الشهيد «إبراهيم الرفاعى»، أن تنطلق المدفعية المصرية لتربك العدو وتشتت قياداته، بينما كان رجال مجموعته يتسللون ليأخذوا أماكنهم حول الموقع حسب الخطة الموضوعة، وكانت قيادات الاقتحام مكونة من كل من النقيب وقتها محيى نوح، والنقيب الجلاد، والأبطال سمير نوح ومحسن طه وأحمد رجائى عطية وطبيب على نصر ووئام سالم وإسلام توفيق وملازم بحرى وسام حافظ يتقدمهم جميعا البطل «إبراهيم الرفاعى»، وعلى الضفة الغربية كان هناك العميد مخابرات «مصطفى كمال»، وكل قائد مجموعة خلفه مجموعته.
الحدث السادس: تم العبور إلى الضفة الأخرى فى الموقع المواجه لمدينة «الإسماعيلية»، وتحديداً أمام مقر إدارة «هيئة قناة السويس» الحالى، وذهبت كل مجموعة إلى الهدف أو الأهداف المحددة لها، واستمرت عملية الاشتباك لأكثر من ثلاث ساعات كاملة، تم فيها استعمال كافة الأسلحة الخفيفة وخفيف المتوسط، بل وبلغت حد استخدام الأسلحة البيضاء والاشتباك وجهاً لوجه ورجلاً لرجل. وانتهت العملية بقتل وتصفية ٤٤ مجرماً صـهــيــــونــيـــًا، بمن فيهم الثلاثة جنرالات الاسرائيليين الكبار، ثم تدمير الموقع عن بكرة أبيه بكل ما فيه من أسلحة وعتاد، ولم يكتف «الرفاعى» بذلك، بل رفع العلم المصرى على حطام المعدية نمرة ٦ بعد تدميرها، وبقى العلم مرفوعاً قرابة الثلاثة أشهر، حتى إن إسرائيل قد تقدمت باحتجاج رسمى لمجلس الأمن بالأمم المتحدة، بسبب هول هذه العملية.
الحدث السابع: فى اليوم التالى للعملية، الزعيم «جمال عبدالناصر»، يزور الأبطال المصابين فى مستشفى المعادى العسكرى، ويصافح ويداعب أسرة النقيب البطل «محيى نوح»، والذى سأله الزعيم عن كيف كان الجندى الإسرائيلى فى مواجهتكم فى هذه العملية الكبيرة ؟، فرد «نوح» مبتسماً: سيادتك يا أفندم كنت بتسمع صراخهم واستغاثاتهم أمس بأجهزة التنصت على اتصالاتهم.
كان ذلك فى ٢٠ من أبريل ١٩٦٩، وكان هذا التاريخ بالضبط هو ذكرى الأربعين بالتمام، لرحيل الجنرال الذهبى الشهيد «عبدالمنعم رياض»، والذى استشهد يوم ٩ مارس عام ١٩٦٩، والذى تقرر اعتباره يوماً للشهيد نحتفل به كل عام.