القبائل تعود وتتقدم مجددًا

القبائل تعود وتتقدم مجددًا

لامناص من مواصلة ما تطرقنا إليه في المقال السابق.. إذ قلنا أن أجندة الصراع السياسي القائمة على النواحي الاقتصادية والفكرية قد تراجعت لا بل انزوت، فلم نعد نسمع مَن يتحدث عن الصراع بين الطبقات أو بين الدين والعلمانية أو بين المركز والهامش (هذة الأخيرة بها شوية نبض لأنها مرتبطة بما سنذكره أدناه ولكنها لا محالة إلى انزواء) وقلنا بما أن السياسة مثل الطبيعة لاتعرف الفراغ… فقد تصعد، إن لم يكن قد صعدت وانتهت، الأجندة القبلية والعنصرية لتحل محل تلك التي انزوت، وستصبح، إن لم يكن قد أصبحت، هي المحرك للصراع السياسي..

قبل الدخول في محاولة إثبات ما ذكرناه آنفا، لابد من وقفة صغيرة نفرق فيها بين القبلية والعنصرية.. فالقبلية Tribalism تشير للانتماء لأب أو جد واحد… أي يدعي المنتمون للقبيلة أنهم ينحدرون من أب واحد، وهي من نوع الانتماءات البشرية الأولية الطبيعية… ولكن البشرية في تطورها استطاعت بعض شعوبها تجاوز تلك الأطر الأولية إلى انتماءات أوسع تتمثل في الأمة… وإن كانت بعض الشعوب ركلت القبلية فالبعض مازال يرزح في أغلالها ..
أما العنصرية Ethincity فهي تشير إلى لون البشرة أبيض أسود وما بينهما… وإلى تقاطيع الجسم والشعر والأنف والشفاه، فالناس لايد لهم في هذا… ولكن البشرية في صيرورتها التاريخية صنعت تراتبية قائمة على العنصر، وما نعيشه الآن من تراتبية بدأت مع النهضة الأوروبية الحديثة وما اصطلح على بسمو الجنس الأبيض.. ثم فيما بعد تجارة الرقيق وما أنتجته من عبودية وما انبثق من ذلك من ثورات تحرر وحركات حقوق إنسان..

غنى عن القول أننا في السودان نعاني من الإثنين، القبلية والعنصرية، إذ هما الآن يتحركان بسرعة متفاوتة لتسيد المسرح السياسي، اللهم إلا إذا تداركنا الله برحمته ولا يأس من رحمة الله..

بعض أجزاء السودان غشيتها يد الحداثة فضعفت فيها الروابط القبلية إذ أصبحت التكتلات الاجتماعية فيها تقوم على الروابط الحديثة من أحزاب سياسية ونقابات واتحادات ومنظمات مجتمع مدني أخرى… وأصبحت القبيلة فيها مجرد انتماء عاطفي كما هو الحال في المدن وبعض الأرياف… ففي الجزيرة مثلاً حيث قام مشروع زراعي حديث أصبح الفرد مرتبط بعلاقات إنتاج مع الدولة والشركة الانجليزية وفيما بعد الإدارة الوطنية… ولم يعد للقبيلة أي دور في حقوقه وواجباته لأن الأرض نزعت منها.. لذلك ضعفت القبلية وأصبحت القرية هي الوحدة الاجتماعية، ففي هذة الحرب سمعنا بما وقع في السريحة وأزرق و ود النورة دون أن نعرف لهم قبيلة..
بالمقابل الكثير من أجزاء السودان التي لم تمسها يد الحداثة ظلت القبيلة هي الانتماء المعترف به وهي التي تحدد للفرد واجباته وحقوقه حتى الأنظمة الحاكمة.

د. عبد اللطيف البوني