تطوير الفرد: البداية نحو النهضة | حسن إبراهيم العيسى النعيمي

تطوير الفرد: البداية نحو النهضة | حسن إبراهيم العيسى النعيمي

حين تغيب القاعدة يسقط البناء..
في خضمِّ الحديث عن التنمية، والتكنولوجيا، والنظم، والاستراتيجيات الكبرى، كثيراً ما يُنسى «الإنسان»، ذلك الكائن الذي لأجله تُبنى الحضارات، وبه تنهض، ومن دونه تؤول إلى الخراب، مهما ارتفعت ناطحات السحاب، وتزاحمت العواصم بالأبراج والمولات.
لقد بنت أممٌ كثيرة الحجر، لكنها نسيت بناء البشر، فكان مصيرها الزوال أو التهالك الداخلي. وما أكثر ما نرى اليوم مشاريع ضخمة تسوَّق بوصفها نجاحاً حضارياً، بينما الإنسان في داخلها هشٌّ، تائه، مسحوق تحت وطأة الاستهلاك أو القمع أو التفاهة. إن أول خطوة في أي مشروع نهضوي حقيقي تبدأ من الداخل: من بناء الإنسان. فقبل الاقتصاد، والسياسة، والصناعة، هناك كائن يجب أن يُعاد تشكيله: فكراً، ووجداناً، وسلوكاً، وروحاً.
أولاً: الإنسان… لبّ النهضة
لا يمكن لأي نهضة أن تقوم على مجرد الأدوات دون الإنسان الذي يستخدمها. الإنسان هو الفاعل والمحرك وصانع المعنى، أما الأدوات فهي تابعة له لا قائدة له.
وإذا تأملنا نهضات الأمم عبر التاريخ، سنجد أن أعظمها بدأت بتغيير الإنسان لا بتغيير الأبنية. فالرسالة المحمدية العظيمة لم تبدأ ببناء مسجد أو مدينة، بل ببناء إنسان حرّ، واعٍ، موحّد، متوازن، يُؤمن برسالته وبدوره في الحياة.
النهضة الحقيقية لا تبدأ من أعلى إلى أسفل، بل من داخل الإنسان إلى خارج المجتمع، ولهذا كانت مقولة مالك بن نبي بالغة الدقة:
«المشكلة ليست في الكيان الحضاري، بل في الإنسان الحضاري».
ثانيا: لماذا فشلنا في بناء الإنسان؟
رغم وفرة المال، ووجود الجامعات، وارتفاع نسب التعليم، إلا أن الأزمة الجوهرية لا تزال قائمة: غياب الإنسان النهضوي.
فما الذي حدث؟
• التربية القائمة على الطاعة العمياء: حيث يُربّى الطفل على السكون لا السؤال، وعلى التقليد لا النقد، فينشأ مكسور الإرادة.
• التعليم القائم على الحشو: حيث تُلقّن العقول بلا هدف، وتُمنح الشهادات بلا مهارات، ويُحتقر التفكير المستقل.
• الخطاب الديني الوعظي: الذي يركز على الشعائر دون القيم، وعلى الترهيب دون التربية، ويُقصي العقل بدل أن يستنهضه.
• الإعلام السطحي: الذي يُنتج إنساناً مستهلكاً للصور والشائعات، لا باحثاً عن المعرفة والوعي والمعنى.
ثالثاً: الإنسان في الإسلام
حين نرجع إلى القرآن الكريم، نجد أن مشروع الإسلام الحضاري كان في جوهره مشروعاً لبناء الإنسان.
«ولقد كرّمنا بني آدم»
«إنّا هديناه السبيل»
«لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم»
الإنسان في الإسلام مخلوق مكرّم، حرّ، مسؤول، مستخلف، عاقل، محاسب. هو ليس آلة، ولا رقماً في معادلة، بل هو قلب المشروع الإلهي في الأرض.
رابعاً: ملامح الإنسان الذي نريده
• حرٌّ في فكره: لا يخشى السؤال، ولا يتبع القطيع.
• عميق في إيمانه: يعيش الدين كقيمة، لا كعادة.
• متوازن نفسياً: يعرف نفسه، ويتصالح مع ضعفه وقوته ومحيطه.
• منفتح على العالم: دون أن يذوب فيه أو ينكفئ عنه.
هذا الإنسان لا يُصنع بالخطابات ولا بالمناهج الجافة، بل يُبنى بتكامل التربية والتعليم والإعلام والدين، ضمن رؤية واحدة متكاملة.
خامسا: خطة لبناء الإنسان من جديد
ليس المطلوب حلولاً سحرية، بل مسارات مدروسة، منها:
1. إصلاح التعليم: تحويل المدارس إلى مصانع وعي لا مستودعات معلومات.
2. تجديد الخطاب الديني: ليُخاطب العقل والقلب، ويعيد مركزية الإنسان في الدين.
3. إطلاق مشروع «تربية القيم»: من خلال المناهج والأسر والإعلام.
4. بناء مؤسسات تُعنى بالإنسان ومراجعة النموذج الإعلامي.
سادساً: مركز دراسات الفكر العربي الإسلامي
ولأن مشاريع النهضة تحتاج إلى مؤسسات تُرسي قواعدها وتُترجم رؤاها إلى واقع، فإننا نقترح ضمن مشروع النهضة الجامعة، اعتماد «مركز دراسات الفكر العربي الإسلامي» في إطار جامعة الدول العربية، المقترحة إقامته في دولة الإمارات العربية المتحدة، ليكون الحاضنة الفكرية والثقافية والاستراتيجية لبناء الإنسان العربي معرفياً، وقيمياً، وسلوكياً، في ضوء مقاصد الإسلام، وعمق العروبة، وروح العصر.
ويتولى هذا المركز بلورة رؤى وسياسات ومبادرات ثقافية وتربوية وإعلامية تسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، وتحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، والعقل والروح، والانتماء والانفتاح، مع التركيز على بناء الإنسان بوصفه جوهر النهضة وغايتها الأولى. كما يعمل المركز على التنسيق الكامل مع المؤسسات التربوية، والجامعات، والجهات الرسمية والفكرية في الدول العربية، لتوحيد الجهود وتكامل الأدوار وتجنّب الازدواجية في المهام والمسؤوليات.
سابعا: من اليابان إلى العرب
في مسار بناء الإنسان، لا بد من التوقف عند تجارب حضارية نجحت في تحقيق نهضة شاملة من خلال الاستثمار في الإنسان أولاً، وفي مقدمتها التجربة اليابانية.
لقد أدرك اليابانيون أن النهضة لا تُشترى من الأسواق، بل تُبنى من الداخل عبر منظومة تعليمية متينة، وثقافة مجتمعية تُقدس العمل والانضباط، وتحترم الآخر، وتحافظ على الإرث الثقافي والروحي. واللافت في النموذج الياباني أن هذا التقدم لم يكن على حساب الهوية، بل على العكس، كان تجذير الهوية جزءاً أساسياً من عملية البناء.
هذه التجربة تلهمنا كعرب ومسلمين لنُعيد الاعتبار للإنسان كمنطلق لأي مشروع نهضوي، وأن نسعى لصياغة نموذج حضاري خاص بنا، يستلهم من ديننا وتراثنا، ويتفاعل بإيجابية مع مكتسبات العصر، دون أن يذوب فيها أو يتصادم معها.